المشاركات

سيلينا: ظلال في بلاد التنين (الجزء الثاني)

صورة
  سيلينا: ظلال في بلاد التنين (الجزء الثاني) ==========================================================================  اليوم الأول في الجحيم استيقظت سيلينا على خيوط شمسٍ باهتة لا تكاد تخترق غبار نافذتها الصغيرة. غسلت وجهها بماءٍ بارد، وحاولت أن تستعيد توازنها. خرجت من شقتها المتهالكة متجهةً نحو الشركة التي قبلت تدريبها، لكن الطريق لم يكن كما رسمته في مخيلتها. كان الجيران يقفون في الممرات الضيقة، صامتون كالأصنام، عيونهم تتبع خطواتها بدقة غريبة، وأفواههم تتحرك بهمهمات غير مفهومة. في الشركة، كانت الأجواء باردة كالصقيع. المهندسون هناك يعملون بصمت مطبق، لا يبتسمون، ولا يتبادلون الأحاديث. قضت سيلينا ساعات طوال في دراسة المخططات، لكن عقلها كان لا يزال عالقاً في ذلك الزقاق. وعند عودتها في المساء، لاحظت شيئاً لم تره في المرة الأولى؛ كان هناك "جزار" في مدخل الزقاق، يقطع اللحم بساطور ضخم، لكن اللحم الذي كان أمامه لم يبدُ كأنه لحم ماشية.. كان لونه ونسيجه يثيران الغثيان في نفسها. مرت عدة أيام، وسيلينا تشعر بأنها مراقبة في كل لحظة. الكهرباء لا تزال تنقطع بشكل مريب، والرائحة الكريهة بدأت...

"سيلينا: ظلال في بلاد التنين" الجزء الأول من رواية:

صورة
 الجزء الأول من رواية   "سيلينا: ظلال في بلاد التنين" ============================================================== في مدينة عربية هادئة، عاشت " سيلينا " بين أوراق الرسم الهندسي ودفاتر الحسابات المعقدة. كانت فتاة لم تعرف للكلل طريقاً، نشأت في عائلة متوسطة الحال، لكن أحلامها لم تكن متوسطة أبداً. كانت سيلينا ترى في كل بنايةٍ عتيقة قصة، وفي كل مخططٍ هندسيٍّ مستقبلاً مشرقاً لاسمها. تفوقت سيلينا في دراستها الجامعية، وحصلت على معدلاتٍ تؤهلها لتكون ضمن صفوة المبتعثين. قدمت طلبات تدريب لشركتين عالميتين، ثم مضت الشهور وتراكم الغبار على بريدها الإلكتروني حتى كاد اليأس يغزو قلبها. وفي ظهيرة يومٍ عادي، بينما كانت تتناول غداءها شاردة الذهن، أضاء شاشة هاتفها إشعارٌ من بريدٍ إلكتروني غريب. توقفت أنفاسها وهي تقرأ: "تم قبولكِ للتدريب في كبرى شركات الهندسة بالصين" . طارت سيلينا من الفرح، لم تكن الأرض تسعها وهي تخبر والدتها، ثم انتظرت والدها بقلبٍ يشتعل حماساً. وعندما بارك والدها هذه الخطوة، بدأت سيلينا تجمع حقائبها، محملةً بدعوات أهلها وطموحها الذي لا يحده حد، غير عالمة أن...

"بصمة على زجاج المطر"

صورة
  "بصمة على زجاج المطر" غيمتان على نافذة واحد في مدينة لم تتوقف فيها الأمطار عن الهطول منذ أيام، كانت ميرا تجلس خلف نافذة مقهى "الرواق"، بخار قهوتها يلامس زجاج النافذة البارد. ميرا ، فنانة تشكيلية لم تجد بعد جداراً يعكس لوحاتها الداخلية، كانت تشعر بأن الحياة تنساب منها كقطرات المطر على الزجاج. كانت عيناها تتوقان لشيء يكسر رتابة الأيام. لم تكن تعلم أن القدر يخبئ لها بصمة على هذا الزجاج المبلل. في تلك اللحظة، دخل ليث المقهى، بملابس عمله الملطخة ببعض الألوان، وحقيبة هندسية قديمة. ليث ، مهندس معماري يحاول أن يجد الجمال في المباني القديمة المتهالكة، لم يلاحظ ميرا في البداية، لكن عيناه وقعتا على "بصمة" صغيرة على زجاج النافذة، بصمة تشبه قطرة مطر أكبر من غيرها، وكأنها ترسم قلباً صغيراً.  فنُّ الجروح القديمة في الأيام التالية، أصبح ليث زبوناً دائماً في مقهى "الرواق"، يجلس في نفس الزاوية التي كانت تجلس فيها ميرا ، لكنهما لم يتبادلا كلمة واحدة. ميرا كانت ترسم في دفترها، وليث كان يخطط لمشروع ترميم مبنى قديم يُعرف باسم "بيت الياسمين" الذي كان يحمل...

خلف ستائر الدانتيل

صورة
   خلف ستائر الدانتيل ========================================================================== كانت الشمس تتسلل بخجل عبر شقوق البناية العتيقة في قلب بغداد، لتصطدم بستائر الدانتيل البيضاء في شقة مريم بالطابق الثالث. مريم ، الشابة التي لم تجف بعد حبر شهادتها في الهندسة المعمارية، كانت تقضي صباحاتها في مراقبة المارة. لم تكن تراقبهم حبّاً في الفضول، بل هرباً من صمت جدران شقتها التي بدأت تضيق عليها يوماً بعد يوم. كانت تسمع "أم كمال" وهي تصرخ على أبنائها من الشقة المجاورة، وتميز صوت عجلات عربة بائع الخضار المتهالكة وهي تئن تحت وطأة الطريق غير المعبد. "واقع رتيب"، هكذا كانت تصف حياتها لمرآتها كل صباح. أحلامها بتصميم ناطحات السحاب تلاشت خلف "قضبان العادات" والانتظار الممل لوظيفة حكومية قد تأتي أو لا تأتي. في صباح ثلاثاء باهت، تغير كل شيء. صوت وقع أقدام سريعة غادر عتبة بابها. حين فتحت الباب، لم تجد أحداً، بل وجدت صندوقاً خشبياً صغيراً يفوح برائحة الزمان. في الداخل، كانت تقبع كاميرا "لايكا" قديمة من طراز الستينات، ملمس معدنها البارد أعاد لمريم شعوراً ن...

أسرار الساعة الرملية وعزف الرمال (الجزء الثاني)

صورة
         أسرار الساعة الرملية وعزف الرمال (الجزء الثاني) ==================================== لم يكن "سارقو الزمن" مجرد لصوص عاديين؛ بل كانوا كائنات تشبه الدخان الأسود، يتحركون بخفة لا تنتمي لهذا العالم. صاح زعيمهم بصوت أجش يشبه احتكاك الصخور: "سلمي ما لديكِ يا فتاة الرمال، فالزمن ليس ملكاً للبشر الضعفاء". تجمدت " ريتال " للحظة، لكن " نور " لم يتردد. استل سيفه العريض الذي ورثه عن أجداده، ووقف سداً منيعاً أمامها. صاح بها: " ريتال ! خذي القطعة الآن، سأشغلهم أنا!". اندلعت المعركة في قلب الكهف البرتقالي؛ كان " نور " يقاتل ببراعة بدوي متمرس، بينما كانت الظلال تحاول الالتفاف حوله. مدت " ريتال " يدها المرتجفة نحو الكريستالة المتوهجة. ما إن تلامست أصابعها مع سطح الكريستال، حتى حدث انفجار ضوئي أعما الجميع. لم تعد ريتال في الكهف، بل وجدت نفسها في رؤية مهيبة: رأت "سارقو الزمن" وهم بشر عاديون في الماضي، خانوا الواحة وحاولوا سرقة الساعة الرملية الكبرى ليوقفوا شيخوختهم ويعيشوا للأبد، لكن اللعنة حلت عليهم فصاروا أطيافاً ل...

رواية: صدى اللحن المفقود

صورة
رواية: صدى اللحن المفقود ==================================== كانت فيينا تتدثر بوشاح من الضباب الكثيف في تلك الليلة الشتائية من عام 2026. دار الأوبرا العريقة، بجدرانها التي شهدت صعود وسقوط إمبراطوريات، كانت تضجّ بجمهور ينتظر المعجزة. وفي الطابق العلوي، كانت " سارة " تقف أمام المرآة، تلامس بأصابعها المرتجفة أوتار كمانها الأثري. لم يكن مجرد خشب وأوتار، بل كان "روحاً" موروثة من جدها الذي غاب في ظروف غامضة، تاركاً خلفه هذا الكمان ووصية غامضة تقول: "الموسيقى هي الحقيقة الوحيدة في عالم من الأكاذيب" . بدأ العزف. كانت المقطوعة تُدعى "الفجر الأخير". ومع أول نوتة، ساد صمتٌ مطبق، وكأن الجمهور توقف عن التنفس. وفجأة، في لحظة بلغت فيها الموسيقى ذروة الحزن، انقطع التيار الكهربائي. ساد ظلامٌ حالك لمدة ثلاث ثوانٍ فقط. وعندما عاد الضوء، كانت الصدمة: سارة تقف على المسرح، يداها ممدودتان في الهواء، والكمان قد تبخر! المحقق " آدم " ، الذي كان حاضراً بين الجمهور كجزء من مهمة مراقبة سرية، قفز إلى خشبة المسرح. آدم رجلٌ يمتلك ملامح حادة كشفرة الحلاقة، وعينين بلو...

"أسرار الساعة الرملية وعزف الرمال" الفصل الأول: همس الرياح والقدر المجهول

صورة
 "أسرار الساعة الرملية وعزف الرمال" الفصل الأول: همس الرياح والقدر المجهول ========================================================================= ف ي قلب "واحة الرمال الذهبية"، تلك المدينة القديمة التي تحتضنها الصحراء الكبرى كدرة مكنونة، عاشت " ريتال " حياة هالية كغيرها من بنات جيلها. كانت " ريتال " فتاة لا تتجاوز العشرين ربيعاً، تمتلك عينين بلون الرمال عند الغروب، وشعراً طويلاً يتدفق كشلال من الحرير الأسود. لم تكن تهتم كثيراً بأساطير الواحة التي تتناقلها الجدات عن الجان والكنوز المخفية، فقد كان جل اهتمامها ينصب على فن النحت على الرمال، وهو فن توارثته عائلتها جيلاً بعد جيل. كانت يداها تصنع تحفاً فنية من حبيبات الرمل المتناثرة، تارةً على شكل قلاع مهيبة، وتارةً أخرى على هيئة حيوانات الصحراء الوفية. كانت "واحة الرمال الذهبية" مدينة غارقة في التاريخ، تحيط بها الكثبان الرملية الشاهقة التي تغير ملامحها مع كل نسمة ريح. بيوتها مبنية من الطين اللبن، وأسواقها تعج بالحياة والروائح العبقة للتوابل والبخور. وفي قلب الواحة، يقف برج "الزمن الغا...