أسرار الساعة الرملية وعزف الرمال (الجزء الثاني)
أسرار الساعة الرملية وعزف الرمال (الجزء الثاني)
====================================
لم يكن "سارقو الزمن" مجرد لصوص عاديين؛ بل كانوا كائنات تشبه الدخان الأسود، يتحركون بخفة لا تنتمي لهذا العالم. صاح زعيمهم بصوت أجش يشبه احتكاك الصخور: "سلمي ما لديكِ يا فتاة الرمال، فالزمن ليس ملكاً للبشر الضعفاء".
تجمدت "ريتال" للحظة، لكن "نور" لم يتردد. استل سيفه العريض الذي ورثه عن أجداده، ووقف سداً منيعاً أمامها. صاح بها: "ريتال! خذي القطعة الآن، سأشغلهم أنا!". اندلعت المعركة في قلب الكهف البرتقالي؛ كان "نور" يقاتل ببراعة بدوي متمرس، بينما كانت الظلال تحاول الالتفاف حوله.
مدت "ريتال" يدها المرتجفة نحو الكريستالة المتوهجة. ما إن تلامست أصابعها مع سطح الكريستال، حتى حدث انفجار ضوئي أعما الجميع. لم تعد ريتال في الكهف، بل وجدت نفسها في رؤية مهيبة: رأت "سارقو الزمن" وهم بشر عاديون في الماضي، خانوا الواحة وحاولوا سرقة الساعة الرملية الكبرى ليوقفوا شيخوختهم ويعيشوا للأبد، لكن اللعنة حلت عليهم فصاروا أطيافاً لا تموت ولا تحيا.
استجمعت ريتال شجاعتها، وصرخت بكلمات لم تكن تعرف أنها تحفظها، كلمات بلغة قديمة كانت الساعة تهمس بها في أذنها. فجأة، تحول الضوء الأزرق في يدها إلى موجة طاردة دفعت الظلال بعيداً وأجبرتهم على التلاشي في الهواء. هدأ الكهف، وسقط "نور" على ركبتيه متعباً، لكنه ابتسم عندما رأى الكريستالة الثانية تستقر بأمان بجانب الساعة الرملية الصغيرة.
بعد استراحة قصيرة، أخبر "الشيخ سالم" ريتال عبر رسالة طير زاجل أن القطعة الثالثة تقع في "البحيرة المنسية". كانت هذه البحيرة قد جفت منذ مئات السنين، وتحولت إلى قاع ملحي أبيض يتلألأ تحت الشمس كأنه مرآة ضخمة.
وصلت ريتال ونور إلى المكان، وكان المنظر مهيباً؛ مساحات شاسعة من الملح الأبيض تحيط بها جبال صخرية داكنة. "كيف سنجد قطعة صغيرة في هذا البياض الشاسع؟" سأل نور وهو يمسح العرق عن جبينه.
نظرت ريتال إلى الساعة الرملية، لكن هذه المرة لم تومض. وبدلاً من ذلك، بدأت الرمال الفضية داخلها تتحرك بشكل دائري سريع، ثم سكنت مشيرةً إلى الأسفل. "القطعة ليست على السطح يا نور، إنها تحتنا.. في أعماق البحيرة الجافة".
بدأ الاثنان بالحفر في بقعة معينة أشار إليها نبض الساعة. وبعد ساعات من العمل الشاق، اصطدم فأس نور بشيء معدني. لم يكن صندوقاً، بل كان باباً سرياً يؤدي إلى سرداب مائي قديم لا يزال يحتفظ بقطرات من "الماء المقدس" الذي كانت تشتهر به الواحة قديمًا. في وسط السرداب، كانت القطعة الثالثة مغمورة في حوض مائي صغير، تسبح فوقها سمكة ذهبية وحيدة، تعيش منذ قرون بفضل سحر القطعة.
بمجرد أن أخذت ريتال القطعة، بدأ الماء في السرداب يفيض، وكأن البحيرة بدأت تستعيد حياتها. خرجوا مسرعين بينما كانت الأرض تهتز تحت أقدامهم، وشاهدوا بأعينهم أولى قطرات الماء وهي تنبع من باطن الأرض لتملأ البحيرة الجافة من جديد. كانت هذه أول علامة على أن إعادة بناء الساعة بدأت تعيد الحياة للواحة.
مع اقتراب ريتال ونور من الواحة وهما يحملان ثلاث قطع، كانت الفرحة تملأ قلوبهما. لكن عند وصولهما إلى أسوار المدينة، وجدا الصمت يخيم على المكان. لم تكن هناك أصوات الباعة أو ضحكات الأطفال.
تسللا نحو "برج الزمن الغابر" ليجدا الصدمة؛ "سارقو الزمن" قد استولوا على البرج، والأسوأ من ذلك، أن أحد "حراس الذاكرة" قد خان رفاقه وسلمهم المفاتيح طمعاً في القوة. كان "0" سجيناً في قمة البرج، والظلام بدأ يغلف المكان كلياً.
"لقد تأخرتِ يا فتاة الرمال!" صرخ الخائن من شرفة البرج. "الساعة الكبرى ستحطم الآن، وسيتوقف الزمن في هذه الواحة للأبد، لنعيش نحن في لحظة القوة الخالدة".
بدأ الكهنة الأشرار بطقوس غريبة، فبدأت السماء تظلم في وضح النهار، واشتدت العواصف الرملية لتضرب بيوت الواحة. أدركت ريتال أن القتال التقليدي لن ينفع هنا. عليها أن تصل إلى قمة البرج وتضع القطع في مكانها قبل أن تسقط آخر حبة رمل في الساعة الكبرى.
استخدم نور مهاراته في التسلل ليفتح ثغرة في الحراسة، بينما بدأت ريتال تتسلق الدرج الحلزوني الطويل للبرج. في كل درجة، كانت الساعة في يدها تصبح أثقل، وكأن ثقل تاريخ الواحة كله يضغط على كتفيها. كانت تسمع أصوات أجدادها يشجعونها، وصوت أمها وهي تغني لها في صغرها عن "بنت الرمال التي ستعيد الضياء".
وصلت ريتال إلى القمة. كانت الساعة الرملية الكبرى ضخمة، بارتفاع رجلين، لكنها كانت محطمة ومليئة بالشقوق. "سارق الزمن" الأكبر كان ينتظرها هناك، ممسكاً بخنجر من الزجاج الأسود.
"موتكِ سيكمل الطقوس!" صرخ وهو يهجم عليها. في لحظة خاطفة، تدخل "نور" الذي استطاع الوصول في الوقت المناسب، واشتبك مع الزعيم في معركة مصيرية. استغلت ريتال الفرصة، واقتربت من الساعة الكبرى. لم تكن تعرف كيف تركب القطع، لكنها أغمضت عينيها واستمعت لـ "عزف الرمال".
وضعت يدها على الشقوق، وبدأت القطع الثلاث تنجذب لمكانهما كالمغناطيس. فجأة، توقف كل شيء. سكنت الرياح، واختفت الظلال. انبعث نور أبيض غامر من قمة البرج، انتشر في كل أرجاء الواحة، ليمحو كل أثر للظلام.
تحطمت الأطياف وتحولت إلى غبار، وعاد "الشيخ سالم" إلى حريته. نظرت ريتال إلى الساعة الكبرى، فوجدتها قد عادت كاملة، ورمالها الفضية تتدفق بنعومة وموسيقى ساحرة. عادت الحياة للواحة، واخضرت النخيل، وعاد الماء للآبار.
إلى هنا، تنتهي رحلة "ريتال" و"نور" في حماية زمن الواحة، لتبقى قصتهما حكاية تُروى للأجيال عن قوة الإرادة وعشق الأرض.
تحياتي لكم، كانت معكم الكاتبة: لانا شاهين.




تعليقات
إرسال تعليق
اكتب تعليقك اذا كان لديك اي تسائل