خلف ستائر الدانتيل

 

 خلف ستائر الدانتيل

==========================================================================

كانت الشمس تتسلل بخجل عبر شقوق البناية العتيقة في قلب بغداد، لتصطدم بستائر الدانتيل البيضاء في شقة مريم بالطابق الثالث. مريم، الشابة التي لم تجف بعد حبر شهادتها في الهندسة المعمارية، كانت تقضي صباحاتها في مراقبة المارة. لم تكن تراقبهم حبّاً في الفضول، بل هرباً من صمت جدران شقتها التي بدأت تضيق عليها يوماً بعد يوم.

كانت تسمع "أم كمال" وهي تصرخ على أبنائها من الشقة المجاورة، وتميز صوت عجلات عربة بائع الخضار المتهالكة وهي تئن تحت وطأة الطريق غير المعبد. "واقع رتيب"، هكذا كانت تصف حياتها لمرآتها كل صباح. أحلامها بتصميم ناطحات السحاب تلاشت خلف "قضبان العادات" والانتظار الممل لوظيفة حكومية قد تأتي أو لا تأتي.

في صباح ثلاثاء باهت، تغير كل شيء. صوت وقع أقدام سريعة غادر عتبة بابها. حين فتحت الباب، لم تجد أحداً، بل وجدت صندوقاً خشبياً صغيراً يفوح برائحة الزمان. في الداخل، كانت تقبع كاميرا "لايكا" قديمة من طراز الستينات، ملمس معدنها البارد أعاد لمريم شعوراً نسيت طعمه: الفضول.

بجانب الكاميرا، وجدت رسالة بخط يد يرتجف، وكأن صاحبها يصارع الوقت ليكتبها: "إلى من يسكن هنا.. الجمال يهرب منا حين نعتاد عليه. وثّقي ما تراه عيناكِ قبل أن يسرقه الغبار". لم تكن مريم تعلم أن هذا الصندوق هو "طوق النجاة" الذي أرسله القدر لانتشالها من ركودها.


خرجت مريم من خلف ستائرها. لم تعد المهندسة التي تنتظر الأوامر، بل أصبحت "صائدة اللحظات". في البداية، كانت يدها ترتجف وهي تضغط على زر التصوير، لكن سرعان ما بدأت ترى العالم بعدسة مختلفة.

صورت "عم صالح" بائع الصحف، ليس كشخص يتعب من أجل لقمة العيش، بل كحارس للثقافة في حيهم القديم. صورت تجاعيد وجهه التي تحكي قصص حروب وهزائم وانتصارات صغيرة. وصورت طفلة صغيرة تتقاسم قطعة حلوى مع قطة شاردة. اكتشفت مريم أن "الواقع" ليس كئيباً، بل كانت هي من تنظر إليه من ثقب إبرة ضيق.


في زقاق ضيق، حيث يختبئ استوديو قديم لتحميض الأفلام، قابلت "آدم". كان شاباً بشعر فوضوي وعينين تشعان ذكاءً. آدم لم يكن مجرد تقني يحمّض الصور، بل كان فناناً يقرأ ما بين الكادر.

بينما كان يقلب صور مريم، نظر إليها وقال بهدوء: "أتعلمين يا مريم؟ الصور التي تلتقطينها ليست للناس، إنها مرايا لروحكِ أنتِ. أنتِ لا تصويرين الحزن لأن الشارع حزين، بل لأنكِ كنتِ تبحثين عن مواساة لنفسكِ في وجوه الآخرين". وقعت كلماته كالصاعقة عليها. هل كانت الكاميرا وسيلة للهروب أم وسيلة للمواجهة؟

قررت مريم أن تكسر حاجز الخوف. وبمساعدة آدم، أقامت معرضاً بسيطاً في زاوية من مقهى الحي. لم تدعُ إليه كبار الشخصيات، بل دعت أبطال صورها. جاء عم صالح ببدلته القديمة، وجاءت أم كمال وأطفالها.

أسمت المعرض "وجوه من شارعنا". في تلك اللحظة، لم تعد مريم المهندسة "العاطلة"، بل أصبحت "صوت الحي" وعينه التي ترى الجمال في القبح، والأمل في الانكسار.


وسط الزحام، دخل رجل مسن يرتدي نظارات سوداء سميكة، يتوكأ على عصا أبنوسية. كان هو صاحب الصندوق، المهندس "أمين" الذي سكن شقتها قبل أربعين عاماً. أمين فقد بصره تدريجياً بسبب مرض وراثي، ولم يعد قادراً على ممارسة شغفه بالتصوير.

اقترب من إحدى الصور، ولمس إطارها بأصابعه المرتجفة. همس لمريم التي كانت تقف بجانبه بذهول: "لقد شعرتُ بحرارة الشمس في صورتكِ هذه.. يا ابنتي، لقد أعدتِ لي بصري من خلال عينيكِ. الآن يمكنني أن أرحل بسلام، فالشقة لم تعد سجناً، بل أصبحت مصنعاً للجمال".


لم يتغير الشارع، ولا يزال بائع الخضار يجر عربته، لكن مريم تغيرت. تزوجت من آدم في حفل بسيط حضره الجيران، وافتتحا معاً استوديو صغيراً أسمياه "النافذة". لم يعودا يبيعان الصور فقط، بل يعلمان أطفال الحي كيف يفتحون نوافذ أرواحهم على الجمال.

مريم لم تعد تقف خلف ستائر الدانتيل لتراقب المارة.. لقد أصبحت هي الشارع، وهي الحكاية، وهي النور الذي يوثق الجمال قبل أن يسرقه الغبار.

"وإلى هنا، نُسدل الستار على فصول روايتنا لهذا اليوم.. آمل أن تكون هذه الكلمات قد لامست قلوبكم بقدر ما عاشت في خيالي. كنتُ معكم، الكاتبة لانا شاهين."



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لانا وحارس الألوان الضائعة

"صمت الأنين الجزء الثاني 2: طقوس الغسق"