"سيلينا: ظلال في بلاد التنين" الجزء الأول من رواية:
الجزء الأول من رواية
"سيلينا: ظلال في بلاد التنين"
==============================================================
في مدينة عربية هادئة، عاشت "سيلينا" بين أوراق الرسم الهندسي ودفاتر الحسابات المعقدة. كانت فتاة لم تعرف للكلل طريقاً، نشأت في عائلة متوسطة الحال، لكن أحلامها لم تكن متوسطة أبداً. كانت سيلينا ترى في كل بنايةٍ عتيقة قصة، وفي كل مخططٍ هندسيٍّ مستقبلاً مشرقاً لاسمها.
تفوقت سيلينا في دراستها الجامعية، وحصلت على معدلاتٍ تؤهلها لتكون ضمن صفوة المبتعثين. قدمت طلبات تدريب لشركتين عالميتين، ثم مضت الشهور وتراكم الغبار على بريدها الإلكتروني حتى كاد اليأس يغزو قلبها.
وفي ظهيرة يومٍ عادي، بينما كانت تتناول غداءها شاردة الذهن، أضاء شاشة هاتفها إشعارٌ من بريدٍ إلكتروني غريب. توقفت أنفاسها وهي تقرأ: "تم قبولكِ للتدريب في كبرى شركات الهندسة بالصين". طارت سيلينا من الفرح، لم تكن الأرض تسعها وهي تخبر والدتها، ثم انتظرت والدها بقلبٍ يشتعل حماساً. وعندما بارك والدها هذه الخطوة، بدأت سيلينا تجمع حقائبها، محملةً بدعوات أهلها وطموحها الذي لا يحده حد، غير عالمة أن الرحلة المدفوعة الثمن من جامعتها تخفي خلفها أثماناً أخرى.
هبطت الطائرة في المطار الدولي بالصين. خرجت سيلينا وهي تتنفس هواءً مختلفاً، كانت مبهورة بنقاء الجو، وبوجوه الناس التي بدت لها كأنها منحوتة من الصمت والسكينة. شعرت بالفخر وهي ترى ناطحات السحاب تعانق الغيم، وقالت في نفسها: "يا سيلينا، أنتِ الآن أمام اختبار العمر؛ إما النجاح ورفع رأس والديكِ، أو الغرق في رغبات الغربة.. كوني قوية، تذكري همكِ وهدفكِ".
سحبت حقيبتها وتوجهت نحو مواقف الحافلات، مستخدمةً الموقع المرسل لها على هاتفها لمكان السكن. ركبت الحافلة وهي تراقب الشوارع اللامعة تتلاشى خلفها، لتظهر مكاناً لم يكن في حسبانها.
توقفت الحافلة في منطقة غريبة، خليطٌ مشوه بين قريةٍ منسية ومدينةٍ مهجورة. الأبنية قديمة ومتهالكة، والشوارع ضيقة تعج بالبؤس. مشت سيلينا حسب الخريطة لتدخل زقاقاً مظلماً، وفجأة، صدمتها رائحة نفاذة وكريهة لا يمكن احتمالها.
نظرت إلى الأرض، فإذا بها مغطاة ببقع حمراء داكنة، دماءٌ تجري في سواقي الصرف الصحي المعطلة. شعرت برعبٍ يتسلل إلى عظامها، لكنها طمأنت نفسها قائلة: "لعلها دماء الذبائح، فالمنطقة تعج بالجزارين والمواشي كما رأيت في الطريق، لا تقلقي يا سيلينا، أنتِ هنا للعمل لا للرفاهية".
وصلت سيلينا إلى العمارة المحددة، وكانت تبدو وكأنها سقطت من حربٍ قديمة؛ جدران مشققة ومداخل موحشة. صعدت إلى شقتها لتجدها غرفة واحدة بائسة. سريرٌ متواضع، تلفاز قديم لا تبدو فيه حياة، مطبخٌ صغير وثلاجة صامتة، حتى الكهرباء كانت مقطوعة.
وضعت سيلينا رأسها على الوسادة بعد عناء السفر، محاولةً إقناع نفسها أن هذا المكان سيكون "قصراً" بمجرد أن تحقق نجاحها في الشركة. وفي اليوم التالي، استيقظت لتعد فطورها، لكن نظرات الجيران كانت غريبة، نظراتٌ خالية من الروح، تراقبها وكأنها فريسة لا ضيفة.
لم تكن تعلم سيلينا أن الرائحة التي ظنتها دماء جزارين، ونظرات الناس المريبة، كانت مقدمة لحقيقةٍ مرعبة؛ أنها تسكن في حيٍّ لا يأكل فيه الناس طعاماً عادياً، بل يتربصون بكل غريبٍ ليكون وجبتهم القادمة.
استعدت سيلينا ليومها الأول في التدريب، لكن غريزتها كانت تصرخ بالخطر. هل ستنجو سيلينا من هذا الحي الموحش؟ وماذا ستكتشف في أروقة الشركة الصينية؟
انتظرونا في الجزء الثاني من الرواية لتعرفوا المصير الذي ينتظر سيلينا في أرضٍ لا تعرف الرحمة.



تعليقات
إرسال تعليق
اكتب تعليقك اذا كان لديك اي تسائل