"أسرار الساعة الرملية وعزف الرمال" الفصل الأول: همس الرياح والقدر المجهول

 "أسرار الساعة الرملية وعزف الرمال"
الفصل الأول: همس الرياح والقدر المجهول

=========================================================================

في قلب "واحة الرمال الذهبية"، تلك المدينة القديمة التي تحتضنها الصحراء الكبرى كدرة مكنونة، عاشت "ريتال" حياة هالية كغيرها من بنات جيلها. كانت "ريتال" فتاة لا تتجاوز العشرين ربيعاً، تمتلك عينين بلون الرمال عند الغروب، وشعراً طويلاً يتدفق كشلال من الحرير الأسود. لم تكن تهتم كثيراً بأساطير الواحة التي تتناقلها الجدات عن الجان والكنوز المخفية، فقد كان جل اهتمامها ينصب على فن النحت على الرمال، وهو فن توارثته عائلتها جيلاً بعد جيل. كانت يداها تصنع تحفاً فنية من حبيبات الرمل المتناثرة، تارةً على شكل قلاع مهيبة، وتارةً أخرى على هيئة حيوانات الصحراء الوفية.

كانت "واحة الرمال الذهبية" مدينة غارقة في التاريخ، تحيط بها الكثبان الرملية الشاهقة التي تغير ملامحها مع كل نسمة ريح. بيوتها مبنية من الطين اللبن، وأسواقها تعج بالحياة والروائح العبقة للتوابل والبخور. وفي قلب الواحة، يقف برج "الزمن الغابر"، وهو برج حجري مهيب يعتقد أهل الواحة أنه يحوي ساعة رملية ضخمة لا تتوقف عن العد، وأن مصير الواحة مرتبط بنبض رمالها. لكن هذا البرج كان محرماً على الجميع باستثناء حراس "الذاكرة"، وهم كهنة قدامى يحفظون أسرار الواحة.

في إحدى الليالي المقمرة، وبينما كانت "ريتال" تعود إلى منزلها بعد قضاء وقت طويل في صحراء النحت، لاحت لها بقعة ضوء خافتة تنبعث من بين الكثبان. فضولها دفعها نحو هذا الضوء، لتجد نفسها أمام مدخل كهف صغير لم تره من قبل. كان المدخل مزيناً بنقوش غريبة لرموز لم تفهمها، وما أن وضعت يدها على أحد هذه النقوش حتى شعرت ببرودة غريبة تسري في عروقها، واهتزاز خفيف للأرض.


دخلت "ريتال" الكهف بحذر، لتجد نفسها في ممر ضيق يضيئه توهج أزرق خافت ينبعث من بلورات متدلية من السقف. في نهاية الممر، كانت هناك غرفة واسعة، وفي منتصفها يقبع مذبح حجري قديم، وفوقه تستقر ساعة رملية صغيرة، لا تشبه أي ساعة رأتها من قبل. كانت رمالها تلمع ببريق فضي، وتتحرك ببطء شديد، وكأنها تعد لحظات الدهر. ما أن اقتربت "ريتال" منها حتى سمعت همساً خفيفاً كالريح العابرة، وكأن الرمال نفسها تتحدث إليها.

تجاهلت "ريتال" الخوف الذي دب في أوصالها، ومدت يدها نحو الساعة. في اللحظة التي لمست فيها الزجاج البارد، انبعث منها ضوء أزرق ساطع غمر الكهف بأكمله. وجدت نفسها تنتقل فجأة إلى مكان آخر، إلى زمن آخر. رأت الواحة قبل قرون، حصوناً عالية لم تعد موجودة، وأناساً بملابس مختلفة، وشجرة نخيل ضخمة تقف شامخة في مكان بيتها الآن. سمعت أصواتاً غير مفهومة، وشاهدت أحداثاً سريعة كأنها ومضات من حلم. ثم، وبنفس السرعة التي جاءت بها، عادت "ريتال" إلى الكهف، تلهث، وقلبها يخفق بعنف.

أدركت "ريتال" أن هذه ليست مجرد ساعة رملية عادية، وأنها قد اكتشفت سراً قديماً ربما يعود إلى زمن بناء "برج الزمن الغابر" نفسه. حملت الساعة الرملية الصغيرة بين يديها، وشعرت بثقل المسؤولية يقع على عاتقها. عليها أن تفهم ما حدث، وما تعنيه هذه الرؤى الغامضة.


بعد تلك الليلة الغريبة، لم تعد "ريتال" الفتاة نفسها. كانت الساعة الرملية الصغيرة ترافقها في كل مكان، وكأنها جزء منها. كلما لمستها، أو تركت رمالها الفضية تتدفق بين يديها، انتابتها رؤى جديدة. أحياناً كانت ترى لمحات من المستقبل، تحذيرية عن عواصف رملية قادمة، أو عن جفاف يهدد الواحة. وأحياناً أخرى كانت ترى أحداثاً من الماضي السحيق، صراعات قديمة بين القبائل، أو طقوساً غامضة كانت تُمارس في سراديب تحت الأرض.

قررت "ريتال" أن تبحث عن إجابات. توجهت إلى شيخ "حراس الذاكرة"، وهو رجل عجوز اسمه "الشيخ سالم"، ذو لحية بيضاء طويلة وعينين حكيمتين تحملان حكايات السنين. كان "الشيخ سالم" يعيش في عزلة نسبية داخل مكتبة ضخمة تقع عند سفح "برج الزمن الغابر"، مكتبة تحتوي على لفائف قديمة وكتب عتيقة.


ترددت "ريتال" في البداية، فالدخول إلى منطقة حراس الذاكرة كان أمراً جللاً. لكن الضرورة حتمت عليها أن تتخطى مخاوفها. عندما عرضت "ريتال" الساعة الرملية على "الشيخ سالم"، اتسعت عيناه العجوزتان بذهول لم تخفه السنوات. "من أين لكِ بهذا الكنز يا فتاة الرمال؟" سأل بصوت خفيض يكاد يكون همساً. حكت له "ريتال" قصتها، منذ اكتشاف الكهف وحتى الرؤى التي تراها. استمع "الشيخ سالم" بانتباه، ثم تنهد تنهيدة عميقة. "هذه يا بنيتي ليست ساعة رملية عادية، بل هي 'نبض الزمن'، قطعة من الساعة الرملية الكبرى الموجودة في قمة برج الزمن الغابر. كانت قد فُقدت قبل قرون، ويُقال إنها تحمل القدرة على رؤية تدفق الزمن."

شرح "الشيخ سالم" لـ"ريتال" أن الواحة كانت قبل آلاف السنين مملكة قوية، وأن ساعة "نبض الزمن" كانت تستخدمها النخبة من الحكماء لتوجيه الواحة وحمايتها. لكن بسبب صراع داخلي، انكسرت الساعة الكبرى إلى قطع صغيرة، وتبعثرت هذه القطع. ومنذ ذلك الحين، بدأت الواحة تفقد بريقها شيئاً فشيئاً، وأصبحت عرضة للعواصف والأخطار.

"أنتِ يا ريتال، مقدرٌ لكِ أن تعيدي جمع هذه القطع، لإنقاذ واحتنا من مصير محتوم. لقد بدأتِ ترين المستقبل لأن الساعة الصغيرة تتوق للعودة إلى أصلها."

اكتشفت "ريتال" أن هناك قوى أخرى تبحث عن هذه القطع أيضاً، لكن ليس لأجل الخير. هناك جماعة سرية تُعرف باسم "سارقي الزمن" تسعى لجمع هذه القطع للسيطرة على تدفق الزمن واستخدامه لمصالحها الخاصة، ولو أدى ذلك إلى دمار الواحة. عليهم أن يسرعوا.


انطلقت "ريتال" في رحلتها الشاقة للبحث عن القطع المفقودة من "ساعة الزمن الغابر". كانت الساعة الرملية الصغيرة التي بحوزتها تتوهج بقوة أكبر كلما اقتربت من قطعة أخرى. رافقها في هذه الرحلة "نور"، شاب قوي البنية، من البدو الرحل، يعرف دروب الصحراء كراحة يده. كان "نور" صديقاً قديماً لـ"ريتال"، وقد آمن بقصتها منذ اللحظة الأولى، وشعر بأن مصيره مرتبط بمصيرها.



"وإلى هنا، نصلُ إلى محطة الوداع في حكايتنا لهذا اليوم، حيث تقفُ الكلماتُ عند عتبة البداية.. بداية الرحلة الكبرى لـ 'ريتال' و 'نور' في عالم الأسرار.
أما بقية الحكاية، فإني أتركُ لخيالاتكم العذبة رسم فصولها؛ فماذا تخبئ لهما الرمالُ في طياتها؟ وما هي توقعاتكم لما سيحدث في القادم من الأحداث؟ شاركوني تصوراتكم في التعليقات، فخيالكم هو الوقودُ لإبداعي.
ختاماً، أتمنى من كل قلبي أن تكون هذه القصة قد لامست شغاف قلوبكم ونالت استحسا

أما بقية الحكاية، فإني أتركُ لخيالاتكم العذبة رسم فصولها؛ فماذا تخبئ لهما الرمالُ في طياتها؟ وما هي توقعاتكم لما سيحدث في القادم من الأحداث؟ شاركوني تصوراتكم في التعليقات، فخيالكم هو الوقودُ لإبداعي.
ختاماً، أتمنى من كل قلبي أن تكون هذه القصة قد لامست شغاف قلوبكم ونالت استحسا
نكم. تقبلوا فائق تقديري ومودتي..

كانت معكم الكاتبة: لانا شاهين."

================================================

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لانا وحارس الألوان الضائعة

"صمت الأنين الجزء الثاني 2: طقوس الغسق"