سيلينا: ظلال في بلاد التنين (الجزء الثاني)

 

سيلينا: ظلال في بلاد التنين (الجزء الثاني)

==========================================================================

 اليوم الأول في الجحيم

استيقظت سيلينا على خيوط شمسٍ باهتة لا تكاد تخترق غبار نافذتها الصغيرة. غسلت وجهها بماءٍ بارد، وحاولت أن تستعيد توازنها. خرجت من شقتها المتهالكة متجهةً نحو الشركة التي قبلت تدريبها، لكن الطريق لم يكن كما رسمته في مخيلتها. كان الجيران يقفون في الممرات الضيقة، صامتون كالأصنام، عيونهم تتبع خطواتها بدقة غريبة، وأفواههم تتحرك بهمهمات غير مفهومة.

في الشركة، كانت الأجواء باردة كالصقيع. المهندسون هناك يعملون بصمت مطبق، لا يبتسمون، ولا يتبادلون الأحاديث. قضت سيلينا ساعات طوال في دراسة المخططات، لكن عقلها كان لا يزال عالقاً في ذلك الزقاق. وعند عودتها في المساء، لاحظت شيئاً لم تره في المرة الأولى؛ كان هناك "جزار" في مدخل الزقاق، يقطع اللحم بساطور ضخم، لكن اللحم الذي كان أمامه لم يبدُ كأنه لحم ماشية.. كان لونه ونسيجه يثيران الغثيان في نفسها.


مرت عدة أيام، وسيلينا تشعر بأنها مراقبة في كل لحظة. الكهرباء لا تزال تنقطع بشكل مريب، والرائحة الكريهة بدأت تتغلغل في ثيابها وشعرها. في ليلة عاصفة، سمعت سيلينا صوتاً يأتي من الشقة المجاورة؛ كان صوتاً يشبه "الجر"، كأن شيئاً ثقيلاً يُسحب على الأرض، يتبعه صوت بكاء مكتوم سرعان ما انقطع بضربة قوية.

لم تستطع سيلينا كبح فضولها الممزوج بالرعب. نظرت عبر شق صغير في جدارها الخشبي، لتتجمد الدماء في عروقها. رأت ثلاثة رجال يرتدون مآزر ملطخة بالدماء، يحيطون بجثة شخص بدا وكأنه سائح غريب، كانوا يتحدثون بهدوء مرعب وهم يشحذون سكاكينهم. أدركت سيلينا في تلك اللحظة الحقيقة المرة: هي لا تسكن في حي للفقراء، بل في "مسلخ بشري" يتغذى سكانه على الغرباء الذين لا يسأل عنهم أحد.

حاولت سيلينا الاتصال بأهلها، لكن الشبكة كانت مقطوعة تماماً. تذكرت كلمات والدها: "ارفعي رأسنا يا ابنتي". بكت بحرقة وهي تدرك أن رأسها قد يعلق قريباً على أحد خطافات ذلك الزقاق. في اليوم التالي، ذهبت إلى الشركة وهي تنوي طلب المساعدة، لكنها صدمت حين رأت المدير يتحدث مع "الجزار" الذي يسكن في بنايتها. كانا يتبادلان الأوراق والمال، ونظر إليها المدير بابتسامة صفراء وقال: "سيلينا، هل أعجبكِ السكن؟ إنه مكان هادئ.. جداً".

أيقنت سيلينا أن الشركة والحي متواطئون؛ هم يجلبون المتدربين الطموحين من دول بعيدة، يستغلون عقولهم في الهندسة، ثم حين تنتهي مدة تدريبهم، يختفون تماماً من الوجود ليتحولوا إلى "بضاعة" في ذلك المسلخ.


عادت سيلينا إلى غرفتها، لم تنم تلك الليلة. وضعت خطة هندسية لهروبها، ليست لبناء بناية، بل لإنقاذ حياتها. جمعت أهم أوراقها وجواز سفرها، وانتظرت ساعة الفجر حين يغط الجميع في نوم عميق بعد "ولائمهم" المرعبة. تسللت من النافذة، مستخدمةً حبالاً صنعتها من ملاءات السرير، ونزلت إلى الزقاق الخلفي.

كانت رائحة الموت تزكم أنفها، والأرض لزجة بالدماء. وبينما كانت تركض نحو الطريق العام، سمعت صوت نباح كلاب ضالة، وصوت خطوات تركض خلفها. "الجزار" ورجاله اكتشفوا غيابها! ركضت سيلينا بكل ما أوتيت من قوة، تذكرت حلمها، تذكرت أمها التي تنتظر عودتها، وكان هذا هو الوقود الذي دفع قدميها المتعبتين.

وصلت سيلينا إلى محطة قطار بعيدة مع بزوغ أول خيط للشمس. ركبت أول قطار متجه نحو العاصمة، ومن هناك احتمت بسفارة بلادها. لم تنظر خلفها أبداً، لكنها ظلت تشم تلك الرائحة في كوابيسها لسنوات طويلة.

عادت سيلينا إلى بلدها العربية، لم تعد المهندسة الطموحة الساذجة، بل أصبحت امرأة قوية تعرف أن خلف كل حلم لامع قد يختبئ كابوس مظلم. ظلت تروي قصتها، ليس لكي تثير الرعب، بل لكي تحذر كل صاحب حلم: "ليس كل بريق ذهباً، وليس كل غريبٍ صديقاً".


 "وإلى هنا، نُسدل الستار على حكاية سيلينا.. رحلةٌ بدأت بالحلم وانتهت بكابوسٍ لا يُنسى. أخبروني في التعليقات، ما هو شعوركم تجاه هذا النوع من القصص؟ وهل ترغبون في الغوص معي بمغامراتٍ أكثر غموضاً وإثارة؟

بكل ود، كانت معكم الكاتبة: لانا شاهين."

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لانا وحارس الألوان الضائعة

"صمت الأنين الجزء الثاني 2: طقوس الغسق"