"صاحبة اللوحة الثالثة عشرة".


 "صاحبة اللوحة الثالثة عشرة".

==========================================================================

في مدينة "فيورنسا" العتيقة، حيث تتنفس الجدران برائحة الطلاء والزمن، كانت هناك صالة عرض فنية تُعرف باسم "المعرض الصامت". لم يكن يُسمح فيه بالحديث، بل كان على الزوار سماع صرخات اللوحات بقلوبهم. "تالا"، فنانة شابة في مقتبل العمر، كانت تقف أمام جدار فارغ، جدار خُصص لها لتضع فيه تحفتها التي ستحدد مصيرها كفنانة عالمية.


كانت تالا تعاني من "حبسة إبداعية"؛ لقد فقدت القدرة على رؤية الألوان بعد حادثة مؤلمة فقدت فيها عائلتها. كل ما تراه كان رمادياً. لكنها كانت تملك يقيناً بأن هناك لوناً واحداً سينقذها، لوناً لم يُخلق بعد.






عادت تالا إلى قريتها الجبلية، حيث يسكن الضباب فوق القمم كأنه وشاح من حرير. في قبو منزل جدتها القديم، وجدت صندوقاً معدنياً صدئاً، ملفوفاً بسلاسل لم يمسها أحد منذ عقود. عندما فتحته بقلب يرتجف، لم تجد ذهباً، بل وجدت أنبوب طلاء صغيراً جداً، بلا ملصق، وبجانبه رسالة مكتوبة بماء الذهب: "هذا اللون لا يُرى بالعين، بل بالشغف. استخدميه حين يخذلُكِ الضوء."


فتحت تالا الأنبوب، فخرجت منه رائحة زهور "الأوركيد" الجبلية ممزوجة برائحة المطر. في تلك اللحظة، ولأول مرة منذ سنوات، رأت وميضاً من اللون "الأرجواني الملكي" يرقص أمام عينيها. لم يكن مجرد لون، كان شفرة لفتح أبواب ذاكرتها الموصدة.





بدأت تالا الرسم. لم تستخدم الفرشاة، بل استخدمت أصابعها كأنها تعزف على القماش. كانت ترسم "زقاقاً" يشبه زقاق منزلها القديم، لكنه كان يتغير مع كل ضربة من ذلك اللون السحري. كانت اللوحة تنبض بالحياة؛ الأشجار كانت تهتز، وصوت الرياح كان يُسمع من خلف القماش.


اكتشفت تالا أن هذا اللون "الثالث عشر" في لوحتها هو لون "القدر". كلما رسمت شيئاً، حدث في الواقع. رسمت طائراً أزرق، وفي الصباح وجدت طائراً بنفس اللون ينقر على نافذتها. شعرت بالخوف والنشوة في آن واحد. هل هي الآن تتحكم في قدرها؟ أم أن اللوحة هي من تتحكم بها؟





انتشر خبر "اللوحة التي تحيي الأشياء" في المدينة، ووصلت الأنباء إلى "السيد كولب"، وهو جامع لوحات جشع يسعى لامتلاك كل ما هو نادر وقوي. دخل كولب مرسم تالا في ليلة عاصفة، وعيناه تلمعان بطمع لم تره من قبل.

"هذه اللوحة ليست لكِ يا تالا، إنها تنتمي للعالم.. أو بالأحرى، لي!" صرخ كولب وهو يحاول انتزاع اللوحة. في تلك اللحظة، أدركت تالا أن الموهبة ليست مجرد جمال، بل هي مسؤولية وحماية. أمسكت بريشتها، وبحركة سريعة، رسمت "قيداً" حول يدي كولب في الهواء. وبشكل مذهل، تجمد الرجل في مكانه كأنه تمثال من رخام.





لم تكن تالا تريد الانتقام، بل كانت تريد الحرية. رسمت بواباً من الضوء في وسط لوحتها، ودخلت من خلالها لتجد نفسها في عالمها الخاص، العالم الذي استعادت فيه ألوانها وحياتها. عندما استيقظت في اليوم التالي، كانت اللوحة قد اكتملت، وكان "السيد كولب "مجرد رسمة صغيرة في زاوية اللوحة، سجيناً لجمال لم يقدر قيمته.


افتتحت تالا معرضها، ولم يكن المعرض صامتاً هذه المرة، بل كان يضج بأصوات الأمل. كانت اللوحة الثالثة عشرة هي المركز، والجميع يقف أمامها ليشعروا بالدفء. لم تكن تالا مجرد فنانة، بل كانت "سيدة القدر" التي علمت الجميع أن الألوان الحقيقية تنبع من الداخل.



"شكراً لقلوبكم التي منحتني من وقتها الثمين لترافقني في رحلة هذه القصة. أتمنى من أعماق قلبي أن تكون 'تالا' قد ألهمتكم كما ألهمتني. فما غزلته هنا لم يكن مجرد خيال، بل رسالة نابعة من الإيمان بأن عتمة الصعاب لا تدوم أمام نور الأمل والشغف. تذكروا دائماً: مهما بلغت العقبات، فإن طموحكم هو البوصلة التي لن تخيب أبداً للوصول إلى المبتغى.


كانت معكم بصدق وحب، الكاتبة لانا شاهين."

==========================================================================

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لانا وحارس الألوان الضائعة

"صمت الأنين الجزء الثاني 2: طقوس الغسق"