أسطورة بئر الحياة: عودة الروح الأبدية
أسطورة بئر الحياة: عودة الروح الأبدية
في قلب قرية "وادي الصمت" المهجورة، التي بدا عليها أن الزمن قد نسيها وتجاهل أهلها، كانت تعيش "سلمى". لم تكن مجرد امرأة عجوز، بل كانت مكتبة متنقلة من الذكريات، ونحتت كل تجعيدة على وجهها قصةً، ورسمت كل شعرة بيضاء على رأسها فصلاً من حياة مليئة بالحب العميق والفقد المرير. تجاوزت سلمى الثمانين ربيعًا، وكان جسدها النحيل، الذي كان ذات يوم يمتلك رشاقة الغزال، يئن الآن تحت وطأة كل خطوة، وكل حركة كانت تتطلب منها جهداً هائلاً، وكأنها تحمل على كاهلها سنوات الكرة الأرضية. كان عالمها قد انحصر في زاوية صغيرة من كوخها الخشبي المتهالك، حيث كان "يوسف"، الشاب الذي أحبته بصدق لا يتزعزع، يملأ حياتها ضحكًا وأملاً وبهجة قبل أن تفرقهما الحروب القاسية والمسافات اللانهائية. كانت صورته الفتية، بنظراته الثاقبة وابتسامته التي كانت تضيء ليالي القرية، محفورة في ذاكرتها وقلبها، لم تمحها السنون ولا قسوة الأيام.
لم يكن يوسف بعيدًا جدًا، بل كان يسكن في الطرف الآخر من القرية نفسها، عجوزًا مثله، لكنه كان مقعدًا لا يقوى على الحراك، بالكاد يستطيع تحريك يديه المتيبستين. كان أهل القرية، بقلوبهم البسيطة، يراقبون حالهما بشفقة وحزن، وهم يتساءلون كيف يمكن لقصة حب أسطورية، كانت مضرب الأمثال في وادي الصمت، أن تنتهي بهذا الضعف والعجز والوهن. كان الصمت هو لغتهما الوحيدة في سنواتهما الأخيرة، والدموع المترقرقة في العيون هي وسيلة الاتصال الوحيدة، والنظرات البعيدة من النوافذ المهشمة كانت رسائل غير منطوقة، تحمل شوقًا وألمًا وأملاً باهتًا.
في صباح أحد أيام الصيف القاسية، حيث كانت الشمس تلسع الوجوه والعطش ينهش الحناجر، شعرت سلمى بدافع غريب، نداء داخلي لم تستطع تجاهله. كان نداءً غامضًا يأتي من أعماق الغابة المحرمة، تلك الغابة الكثيفة التي تقع خلف الجبال الشاهقة والتي كانت تُعرف بأنها مسكونة بالأسرار والأساطير. قيل في الأساطير القديمة، التي كانت تتناقلها الجدات لأحفادهن، أن هناك بئرًا سحريًا عميقًا في قلب تلك الغابة، ماؤه ليس للسقاية أو إرواء الظمأ العادي، بل لإعادة الزمن إلى الوراء، لإعادة الشباب إلى من تقدمت بهم السن. كانت هذه الأسطورة مجرد حكاية للأطفال، لكن قلب سلمى العجوز لم يجد فيها شيئًا سوى الأمل الأخير.
هناك، في قلب المغارة المظلمة التي تحولت بفعل الضياء الزمردي إلى لوحة فنية ساحرة، وجدته. بئر قديم جدًا، محاط بأزهار غريبة الألوان لا تذبل أبداً، كأنها تحرس سرًا عظيمًا. كانت مياه البئر تغلي بهدوء غريب، وكأنها تتنفس حياة خاصة بها، تتلألأ وتومض بآلاف النجوم الصغيرة التي تعكس نفسها في أعماقه. اقتربت سلمى، كانت يدها ترتجف بشدة وهي تغرف بضع قطرات من ذلك الماء المتلألئ، قلبها ينبض بسرعة جنونية بين الشك والأمل.
ما إن لامس الماء شفتيها المتشققتين، حتى شعرت بصاعقة من الحياة تضرب جسدها بأكمله. لم تكن صاعقة مؤلمة، بل كانت صاعقة منعشة، تبعث الدفء في عروقها الباردة. شعرت بعظامها وهي تلتحم وتشتد، وبجلدها وهو ينسحب ليصبح ناعماً كالحرير. تلاشت غشاوة عينيها، التي كانت تحجب عنها تفاصيل العالم منذ سنوات، وعادت الرؤية حادة وواضحة، ورأت الألوان كما لم ترها منذ شبابها. نظرت إلى انعكاس صورتها في الماء، فصرخت صرخة عالية من الفرح العارم، صرخة هزت أركان المغارة؛ لقد عادت "سلمى" ابنة العشرين، بشعرها الأسود الطويل واللامع الذي كان يتدلى على كتفيها، وعينيها الجميلتين اللتين كان يوسف يتغزل بهما ويصفهما بأنهما بحر من الزمرد. كانت سلمى شابة مرة أخرى، حيوية، جميلة، وكأنها لم تعرف الشيخوخة قط.
==========================================================================


تعليقات
إرسال تعليق
اكتب تعليقك اذا كان لديك اي تسائل