الجزء الاؤل من رواية: نصل الرماد.. وصية الملك الأخير


رواية: نصل الرماد.. وصية الملك الأخير

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

في أصقاع مملكة "أستاريا" التي لا تغيب عنها الشمس، حيث الجبال تعانق الغيوم كأنها حراس من حجر، كان الجميع يرتجف عند سماع اسم "أركان". لم يكن رجلاً عادياً، بل كان يُلقب بـ "نصل الرماد". رجلٌ خاض حروباً لم تُدون في الكتب، وشهد سقوط ممالك لم يبقَ منها سوى الغبار. كان وجهه يحكي قصصاً لم يجرؤ أحد على سؤالها؛ ندبة طويلة تشق جبهته، وعينان بلون الفولاذ البارد، تخفيان وراءهما نيران مدنٍ احترقت بالكامل.


بعد ثلاثين عاماً من الدماء، قرر أركان أن يضع سيفه الثقيل الذي قيل إن كتلته تزن وزن جبل، واستقر في قرية "سولانا" الهادئة، حيث لا يسمع سوى صوت سواقي المياه وزقزقة العصافير. كان يعمل نجاراً بسيطاً، يمسك الخشب بيدين اعتادتا مسك الموت. كان القرويون يهابونه، لا لأنه شرير، بل لأن هيبته كانت تشعرهم بصغر حجمهم. كان الصمت رفيقه الوحيد، حتى تلك الليلة التي غيرت كل شيء.

بينما كان أركان يجلس أمام كوخه يراقب النجوم، وصلت خيالة يرتدون دروعاً سوداء منقوشاً عليها "عقاب الدم". ترجل قائدهم، شابٌ مغرور يرتدي وشاحاً ملكياً، وصرخ بصوتٍ متعجرف: "أين هو الشيطان العجوز؟ الملك يطلب رأسه.. أو يطلب عودته!" لم يتحرك أركان، ظل يحدق في ناره الهادئة، وقال بصوتٍ عميق كأنه قادم من بئر سحيقة: "الرجل الذي تبحثون عنه مات في معركة 'الخريف الدامي'. ارحلوا، فالسلام لا يرحب بالغرباء."


لم يمتثل القائد الشاب، بل أمر جنوده بمهاجمة القرية لإجبار أركان على التحرك. وفي لحظة، تحول الهدوء إلى جحيم. صراخ الأطفال، واشتعال النيران في مخازن الغلال. هنا، استيقظ الوحش النائم. لم يستخدم أركان سيفه القديم المدفون تحت أرض الكوخ، بل استخدم قطعة خشبية مهملة. تحرك بسرعة البرق، كان ينساب بين الجنود كأنه شبح، كل ضربة منه كانت تسقط فارساً، دون أن تراق قطرة دم واحدة من طرفه. كان يقاتل بروح رجلٍ لا يريد القتل، بل يريد حماية الحياة.

بعد أن طرح الجنود أرضاً، اقترب من القائد الذي تراجع ذعراً، وهمس في أذنه: "أخبر ملكك.. أن الرماد لا يشتعل مرتين، وإذا عدتم، سأجعل من دروعكم قبوراً لكم." رحل الجنود، لكن أركان عرف أن رحلة السلام قد انتهت، وأن التاريخ الذي حاول الهرب منه قد أمسك بتلابيبه مجدداً.


في صباح اليوم التالي، طرقت باب كوخه فتاة صغيرة تدعى "إيلارا". كانت تحمل في يدها رسالة قديمة مختومة بختم ملكي أحمر. قالت بصوت مرتجف: "جدي قال لي إنك الوحيد الذي يستطيع فتح هذه الرسالة. قال إنها وصية الملك الأخير الذي خدمته، وأن بها سر 'بذرة النور' التي ستنقذ العالم من الظلام القادم."

فتح أركان الرسالة، وما إن لمست أصابعه الورق، حتى انبعث منه ضوء ذهبي باهر رسم خريطة في الهواء. لم تكن مجرد خريطة لمكان، بل كانت خريطة لروح أركان نفسها. أدرك أن الحروب التي خاضها لم تكن عبثاً، وأن هناك عدواً قديماً، "سيد الظلال"، الذي ظن أركان أنه قتله قبل عقود، قد عاد من عالم الموتى.


قرر أركان أن يخرج لرحلته الأخيرة. لم يأخذ معه جيشاً، بل أخذ قلبه المتعب وفأس النجار، وتبعته إيلارا التي أصرت على مرافقته لأنها تمتلك القدرة على رؤية ما وراء الظلال. عبرا غابات "الهمس" حيث الأشجار تتكلم بلغات منسية، وتجاوزا "وادي الدموع" حيث الصخور تبكي مياهاً مالحة. في كل خطوة، كان أركان يستعيد جزءاً من إنسانيته التي فقدها في ساحات القتال.

في نهاية الرحلة، وصلوا إلى "قلعة النسيان". هناك، واجه أركان "سيد الظلال". لم تكن المعركة بالسيوف هذه المرة، بل كانت مواجهة مع الندم. حاول الظلام أن يغوي أركان بذكريات انتصاراته القديمة، وبقدرته على استعادة شبابه وقوته. لكن أركان، بابتسامة حكيمة، قال: "القوة ليست في كسر السيوف، بل في جبر القلوب المكسورة."


بضربة واحدة من فأسه المشحون بنور الوصية، بدد أركان الظلام. لم يسقط سيد الظلال قتيلاً، بل تحول إلى غبار تذروه الرياح. عادت الحياة إلى الأرض، واخضرت الجبال، واختفت الندبة من وجه أركان، ليس لأنها شفيت جسدياً، بل لأن روحه تصالحت مع ماضيها.

عاد أركان إلى قريته، لكن هذه المرة لم يكن "نصل الرماد" المرهوب الجانب، بل كان "حارس النور". وبدلاً من كتابة اسمه بدم الأعداء، كتبه التاريخ بمداد الأمل، ليكون الرجل الذي خاض كل الحروب ليعلم العالم معنى "السلام".


مغامرتنا لم تنتهِ، والحروب الكبرى لا تزال تلوح في الأفق.. فهل أنتم مستعدون لما هو قادم؟

انتظروا الجزء الثاني بشوق، حيث تنكشف الأسرار وتصطدم الأرواح في ملحمة لن تنسوها.

تحياتي لكم من القلب، كانت معكم الكاتبه:لانا شاهين"

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لانا وحارس الألوان الضائعة

"صمت الأنين الجزء الثاني 2: طقوس الغسق"