عاشور وليلى: حارس البوابة وسر الجد المفقود الجزء الاول


عاشور وليلى: حارس البوابة وسر الجد المفقود



في قلب مدينة براغ، حيث التاريخ يهمس من خلف جدران القلاع، كان عاشور يصارع أمواجاً من اليأس. ليلى لم تكن بالنسبة له مجرد امرأة، بل كانت وطنه الذي لم يسكنه قط. ليلى، تلك الفتاة التي تشرق الملامح البريئة من وجهها، بعينيها البنيتين الواسعتين اللتين تشبهان بحيرتين من العسل، وشعرها الأسود الفاحم الذي يتدلى كليلٍ طويلٍ خلف ظهرها حتى يلامس خصرها، كانت تجسيداً للطف والتعاون مع كل من يعرفها.


لكن والدها، الرجل الذي جمد الكبرياء قلبه، كان يرى في عاشور مجرد "مهندس بسيط". في المرة الأولى طرده بحجة الدراسة، وفي الثانية بحجة قلة المال، وفي الثالثة صرخ في وجهه: "ابنتي لا يتزوجها إلا رجلٌ صنع المعجزات، رجلٌ لديه بطولات وانجازات تتخطى حدود هذا العالم الضيق، وأنت يا عاشور لست سوى ظل عابر".


"كانت تلك الكلمات هي الوقود الذي أشعل في روح عاشور رغبةً عارمة للبحث عن سرٍ طواه جده بين طيات السنين ودفنه في أعماق الغياب. وفي لحظة صفاء، استرجع شريط ذكرياته ليتوقف عند نفقٍ قديمٍ موحش كان جده يتردد عليه في الغابات المحيطة بمدينة براغ؛ ذلك النفق الذي لم يكن مجرد ممر صخري، بل كان في يقينه المدخل لعالمٍ مجهول.

لطالما كانت حكايات جده هي النافذة السحرية التي يطل منها عاشور على العوالم الأخرى؛ فكلما عاد العجوز من رحلاته الغامضة عبر تلك البوابة الأثرية، كان يجلس واضعاً جعبة صيده جانباً، ليبدأ في سرد قصصٍ تمتزج فيها خيوط الحقيقة بألوان الخيال. كان الجد يدّعي دوماً أن غيابه الطويل لم يكن إلا لمطاردة الطرائد في الأحراش البعيدة، متسلحاً بمهارته الفطرية في فن الصيد التي ورثها أباً عن جد.

لكن قلب عاشور الصغير حينها، والمتلهف اليوم، كان يدرك أن خلف تلك الغنائم التي يعود بها جده أسراراً أعمق من مجرد هواية عابرة. واليوم، يجد عاشور نفسه يسير على تلك الخطى ذاتها، مدفوعاً بذات الفضول، لا بحثاً عن طريدةٍ برية، بل ليتمم ما بدأه جده ويخوض غمار الرحلة التي طالما تتردد أصداؤها في حكايات المساء؛ رحلة ستقوده هذه المرة إلى قلب 'أثيريا'.. وإلى عيني ليلى التي تنتظره هناك خلف حدود المستحيل.

لم يكن يعلم وهو يخطو نحو ذلك النفق، الذي قيل إنه 'بوابة أثيريا'، أن جده الذي أحبه وتعلق به لم يرحل عن الدنيا ميتة طبيعية كما أخبروه، بل إنه اختفى هناك، في عتمة ذلك النفق، وهو يذود بجسده وروحه حمايةً لهذا العالم من فناءٍ محتم."


العبور إلى أثيريا وتغيير المصيري، 



بمجرد عبوره النفق، شعر عاشور بأن ذرات جسده يُعاد تشكيلها. وجد نفسه في عالم لا يخضع لجاذبية الأرض؛ صخور طافية، سماء تتبدل ألوانها بين القرمزي والذهبي، ووحوش ضارية تتغذى على طاقة الخوف. هناك، تحول عاشور من المهندس الهادئ إلى مقاتل صلب. تعلم كيف يطوع العناصر، وكيف يستمد قوته من الصخر والريح، حتى أصبح قوياً جداً، قوةً لا يملكها بشر.


بينما كان يستكشف بقايا قلعة منهارة، ظهرت له سيلين


كانت فتاة بجمال أخاذ، شعرها البني ينسدل على كتفيها، وعيناها الخضراوان تحملان نظرات عميقة وغامضة. كانت سيلين هي من أرشدته في هذا العالم. وعلى الرغم من إعجاب عاشور بجمالها وقوتها وسعيها لإنقاذه، إلا أن قلبه كان حصناً منيعاً لم تفتحه إلا ليلى بملامحها البريئة.


 


في إحدى الليالي، قالت له سيلين بصوت هادئ: "أنت تشبه الرجل الذي حمى جوهرة التوازن قبل عقود.. أنت تشبه جدك". توقف قلب عاشور: "جدي؟ جدي توفي بمرض قديم". هزت سيلين رأسها بحزن: "لا يا عاشور، جدك مات هنا، في هذا العالم. لقد ضحى بحياته ليغلق البوابة أمام ظلال الفناء لكي لا تدمر عالمك. مات بطلاً لم يعرف أحد بطولته".


هنا، انفجرت مشاعر عاشور. المعجزة التي كان يبحث عنها لإرضاء والد ليلى كانت تسري في دمه أصلاً. بمساعدة سيلين، استطاع عاشور الوصول إلى "خاتم النور"، وهو الرمز الذي يثبت سيطرته على بوابة العالمين، والبطولة التي ستحطم كبرياء والد ليلى.

بقلب محطم، فتحت سيلين البوابة لعاشور، كانت تحبه بصمت، وتعرف أن رحيله يعني نهايتها العاطفية. عاد عاشور إلى براغ، ودخل مجلس والد ليلى. لم يتحدث، بل أظهر له الخاتم وحكى له عن تضحية جده وعن العالم الذي أنقذه. أمام هذا الفيض من البطولة والمعجزات، لم يجد الوالد إلا أن ينحني. وتزوج عاشور من ليلى في حفل زفاف لم تشهد براغ مثله، حفل اجتمع فيه سحر أثيريا مع عبق تاريخ أوروبا.


النداء الأخير: رحلة العائلة إلى المجهول



مرت سنتان، وانجبت ليلى طفلهما الأول "آدم". كان طفلاً بملامح ليلى البريئة وقوة عاشور الكامنة. لكن فجأة، سقط آدم مريضاً بمرض لم يجد له الطب علاجاً؛ كان جسده يذبل وكأنه يفقد روحه. وفي ليلة عاصفة، ظهرت سيلين عند عتبة منزلهم في براغ، كانت جريحة وتنزف بشدة.


قالت سيلين وهي تلهث: "عاشور.. ظلال الفناء عادت، ومرض ابنك ليس قدراً، بل هو استنزاف لطاقته من قبل أعدائك في أثيريا. إن لم تعد الآن، سيموت هو وتنهار أثيريا للأبد".


خاف عاشور على طفله المريض، وقرر أن يذهب مع سيلين بمفرده ليحمي عائلته. لكن ليلى، بشعرها الأسود الطويل وعينيها البنيتين اللتين لا تعرفان الاستسلام، وقفت أمامه وقالت بلهجة لا تقبل الجدل: "لن تذهب وحدك. نحن عائلة واحدة، وقدرنا واحد. إذا كان شفاء ابني في ذلك العالم، فسنذهب معاً".


رغم الخوف الذي كان يعتصر قلب عاشور على ابنه، إلا أن إصرار ليلى كان أقوى من أرادته. حمل آدم بين ذراعيه، وسار برفقة ليلى وسيلين -التي كانت تنظر إليهما بحزن وحب- نحو النفق القديم، ليعبروا مجدداً نحو "أثيريا"، حيث تنتظرهم معركة فاصلة بين الحب  والتضحية، وبين عالمين يحاولان البقاء.

"ولكن، هل كان خاتم النور مجرد وسيلة للعودة، أم أنه يحمل في طياته لعنة ستغير حياة ليلى وعاشور للأبد؟ الإجابة في الجزء الثاني غداً.. كونوا مستعدين، فالبوابة لا تُفتح مرتين بنفس الثمن!"

تعليقات

  1. البداية حلوة ومشوقة وعجبتني تعلقت بية والقادم اجمل باذن اللة تعالى

    ردحذف

إرسال تعليق

اكتب تعليقك اذا كان لديك اي تسائل

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لانا وحارس الألوان الضائعة

"صمت الأنين الجزء الثاني 2: طقوس الغسق"