بين يقظة "ليان" وغفوتها: خيوط الدمية المسكونة


بين يقظة "ليان" وغفوتها: خيوط الدمية المسكونة


كانت ليان فتاة تشبه نسمات الصباح في دهوك؛ رقيقة، هادئة، وصاحبة ابتسامة خجولة تجعل كل من يراها يشعر بالطمأنينة. لكن خلف هذا الهدوء الرخامي، كانت تخفي سراً بدأ ينهش روحها. لم تكن تخاف من الظلام، بل كانت تخاف من "النوم"، فبالنسبة لليان، لم يكن السرير مكاناً للراحة، بل كان مسرحاً لجرائم لا تذكرها إلا من خلال الندوب على جسدها والدمار الذي تخلّفه في غرفتها.





كلما أغمضت ليان عينيها، وجدت نفسها في غابة ضبابية لا تنتهي. وفي وسط الضباب، تظهر لها دائماً "العجوز الشمطاء"، بملامح محفورة بالزمن وعيون تشبه رماد الحريق. كانت العجوز لا تقترب، بل تكتفي بالهمس بصوت يشبه حفيف الأوراق اليابسة: "اهربي يا ليان.. إنهم يقتربون. السيوف شُحذت، والظلال لا ترحم. أنتِ ملاحقة، ليس في عالمنا، بل في دمكِ!"



في تلك اللحظة من الحلم، كان جسد ليان في الواقع يبدأ بالتحرك. بينما هي غارقة في حلمها، كانت تمشي في غرفتها بعيون مفتوحة ولكنها خالية من الروح. كانت تفتح النوافذ، وتحطم المرايا، وتكتب كلمات بلغات غريبة على الجدران. لم تكن ليان هي من تفعل ذلك، بل كان "قرينها"، ذلك الظل القابع في أعماقها، والذي يستيقظ فقط حين يغفو وعيها.



استيقظت ليان ذات يوم لتجد يدها تنزف، وعلى المرآة المحطمة كُتبت عبارة واحدة: "سيقتلونكِ الليلة". شعرت بالرعب يجمد الدماء في عروقها. قررت أن هذه المرة لن تستسلم. طلبت من أخيها "زيد"، الشاب الذي كان دائماً يراقبها بقلق صامت، أن يبيت في غرفتها ويراقب ما يحدث. قالت له بصوت مرتجف: "زيد، أنا لا أحلم فحسب، أنا أعيش حياة أخرى في المنام، وعجوز غامضة تطاردني وتحذرني من قتل وشيك. أرجوك، لا تتركني أغفو وحدي."



في الليلة التالية، تظاهرت ليان بالنوم. ومع أول خيط من خيوط الأحلام، شعرت بجسدها يتصلب. رأت العجوز مجدداً، لكن هذه المرة صرخت العجوز: "انظري خلفكِ! القاتل ليس غريباً!". في تلك اللحظة، فتحت ليان عينيها في الواقع، لكنها لم تكن تتحكم بحركتها. رأت من خلال انعكاس زجاج النافذة شيئاً حطم قلبها. كان أخوها زيد يقف خلفها، ليس ليحميها، بل كان يمسك بآلة حادة، وعيناه تلمعان ببريق غريب، بريق ليس بشرياً. ولكن، مهلاً! لم يكن زيد هو المتحكم بفعله أيضاً. لاحظت ليان خيوطاً شفافة، تكاد لا تُرى، تخرج من مفاصل زيد ومن مفاصل جسدها هي (القرين)، وكأنهما دميتان في مسرح كبير. اتبعت بنظرها تلك الخيوط لتجدها تخترق جدار الواقع وتتصل بكيان مظلم يطل من فجوة في الأبعاد.. كان هناك رجل غامض يجلس في عالم موازٍ، يرتدي عباءة من ضباب، ويحرك أصابعه ببطء ليوجه زيد لقتلها، ويوجه قرينها ليدمر نفسها.



أدركت ليان في تلك اللحظة أن "العجوز" لم تكن عدوة، بل كانت جزءاً من وعيها القديم يحاول تنبيهها. صرخت ليان في حلمها، صرخة هزت أركان الغابة الضبابية: "لستُ دمية! أنا صاحبة الروح!". بكل ما أوتيت من رقة تحولت فجأة إلى قوة بركانية، بدأت ليان تقاوم "القرين" في داخلها. كانت المعركة داخل عقلها كاصطدام المجرات. بدأت الخيوط الشفافة التي يتحكم بها ذلك الرجل من العالم الآخر تتقطع واحداً تلو الآخر. في الواقع، سقط زيد مغشياً عليه بعد أن تحرر من السيطرة، بينما بقيت ليان واقفة، تواجه الفراغ بصرامة. نظرت نحو الفجوة في العالم الآخر، وخاطبت ذلك المتحكم الغامض: "لقد انتهت اللعبة. لن تكون أحلامي مسرحاً لعجزك بعد الآن".


مع بزوغ فجر يوم جديد على جبال دهوك، استيقظت ليان وهي تشعر بخفة لم تشعر بها قط. لم تعد هناك عجوز، ولم يعد هناك قرين متمرد. لقد اكتشفت أن القوة الحقيقية ليست في العضلات، بل في امتلاك الوعي حتى في أعمق لحظات النوم. أدركت ليان أن الشخص الذي كان يتحكم بها هو كيان يتغذى على الخوف، وبمجرد أن واجهت خوفها، تلاشى هو وعالمه المظلم. ومنذ ذلك اليوم، أصبحت أحلام ليان حديقة من السلام، وأصبح نومها هو المكان الذي تستمد منه قوتها، لا ضعفها.




عزيزي القارئ، أحياناً لا تكون كوابيسنا مجرد أوهام، بل هي صرخات من أرواحنا تطلب التحرر. فهل تملك الشجاعة لتواجه خيوطك الخفية؟"

"شكرًا لقلوبكم التي رافقتني في رحلة القصة لهذا اليوم. أتمنى من أعماقي أن تكون لغتي قد لامست أرواحكم ونالت إعجابكم. كانت معكم الكاتبة لانا شاهين، دمتم بخير وتحياتي الصادقة لكم."


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لانا وحارس الألوان الضائعة

"صمت الأنين الجزء الثاني 2: طقوس الغسق"